torsdag den 13. august 2009

سليمان العيسى


الشاعر السوري سليمان العيسى

يعد سليمان العيسى، الذي ولد سنة 1921في قرية النعيرية، قرب أنطاكية بلواء الاسكندرونة في سوريا، واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين. وشعره الغزير يدور في معظمه حول المواضيع الوطنية والقومية، والطفولة التي رأى فيها الملجأ الأخير لآمال الأمة العربية. فهو قد كرس جزءاً كبيراً من قصائده للطفل، ولا سيما للطفل العربي.
تلقى تعليمه في القرية وأنطاكية وحماة ودمشق، وتخرج في دار المعلمين العليا ببغداد، عمل مدرساً في حلب وموجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية.
ويبين في مقدمة مجموعته الشعرية الكاملة "غنّوا يا أطفال" رؤيته لشعر الأطفال ويقدم أسباب اهتمامه بهم. و قد أجاب حين سئل "لماذا تكتب للصغار؟" قائلا: "لأنهم فرح الحياة ومجدها الحقيقي، لأنهم المستقبل، لأنهم الشباب الذي سيملأ الساحة غداً أو بعد غد، لأنهم امتدادي وامتدادك في هذه الأرض، لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية لتعود إليها دورتها الدموية التي تعطلت ألف عام، وعروبتها التي جفت ألف عام.. إنني أكتب للصغار لأسليهم، ربّما كانت أية لعبة أو كرة أجْدى وأنفع في هذا المجال، إنني أنقل إليهم تجربتي القومية… تجربتي الإنسانية.. تجربتي النفسية… أنقل إليهم همومي وأحلامي".
لهذا فالقصائد التي كتبها سليمان العيسى للأطفال ليست مجرد أدب للترفيه؛ فهي تحتوي على أبعاد أخرى يهدف الشاعر من خلالها إلى المساهمة في وضع أساس يقوم عليه التكوين العقلي والعاطفي للأطفال و الشباب، وتنمية مداركهم وخيالهم، وكذلك الإحساس بالجمال لديهم. وقد ضمن سليمان العيسى عددا كبيرا من تلك القصائد واحداً من أشهر دواوينه:
"ديوان الأطفال" الذي يحفظ كثير من الأطفال العرب بعض قصائده.
في هذا الديوان يخاطب الشاعرالطفولة بقيثارة الطهر والبراءة، وهمسات الوفاء والحب. كما أنه حرص فيه على استخدام اللفظة الرشيقة والسهلة، والموحية الخفيفة، ذات الإيقاع السريع الذي جعل من تلك القصائد أناشيد: "أنتِ نشيدي عيدكِ عيدي* بسمـة أمّي سرُّ وجودي". وبالإضافة إلى ذلك، أعطا سليمان العيسى في قصائده اهتماما بالصورة الشعرية الجميلة التي يسهل ترسيخها في ذهن الطفل، والتي يستقيها الشاعر عادة من واقع الأطفال، أو من أحلامهم وآمالهم. "أنا عصفور مـلء الدار* قبـلة ماما ضوء نهاري* من زهرة واحدة لا يصنع الربيع* تساندي تساندي يا وحدة السواعد" .
وكما غنى سليمان العيسى للعرب الصغار بقيثارة الطهر والبراءة والأمل، عزف للكبار سيمفونية البطولة والكفاح والفداء، وذكرهم بما حققه أجدادهم من تضحيات وانتصارات، ودعاهم إلى المقاومة والانتفاضة ورفض الاستعمار والهزيمة واليأس والتطبيع. وقد كان سليمان العيسى - كما يقول عبد الله أبو هيف-، سباقاً إلى الاستجابات المباشرة للعمليات الفدائية وتوثيقها وتخليدها في الذاكرة مثلما فعل في مسرحيته (قنبلة وجسد) التي بناها على حادثة الفدائي العربي عرفان عبد الله الذي سقطت منه قنبلة يدوية وهو يبتاع الطعام لرفاقه في عمان، فصاح بالناس ليبتعدوا وارتمى فوق القنبلة فغطاها بجسده كي لا تؤذي أحداً. وقد أصبحت هذه المسرحية رمزاً لفعل الفداء والتضحية، ونشيداً لتكريم الشهادة والشهداء. إلى جانب ذلك، مازال سليمان العيسى، الذي تجاوز عمره الثمانين، والذي سجنته سلطات الاحتلال الفرنسية في شبابه بسبب مواقفه المعادية للانتداب، يناضل بالكلمة من أجل تحقيق الوحدة العربية، وكتب عدداً من القصائد التي تجسد معاناة الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته ضد الأطماع الصهيونية والعنصرية التي لم تكف عن الفتك بأرواح الأبرياء وتدنيس الأراضي والمقدسات العربية والإسلامية.
اليمن في شعر سليمان العيسى
وأهتم الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى باليمن، وخصها بكثير من أشعاره التي صدرت في كتاب «اليمن في شعري» الذي يضم نصوصاً شعرية مختارة ومميزة اختارتها زوجة الشاعر الدكتورة ملكة ابيض وقامت بنقلها إلى الفرنسية وطبعت في هذا الإصدار باللغتين العربية والفرنسية. وقد احتوى الكتاب على قسمين: يضم الأول قصائد مختارة في 65 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي القسم الثاني على الترجمة الفرنسية لتلك القصائد في 70 صفحة. إما كتاب «يمانيات» فهو ديوان شعري يضم أحدث ما كتبه الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى عن اليمن ويقع في أكثر من 180 صفحة من القطع المتوسط تتوزع عل 43 قصيدة كرسها سليمان العيسى لليمن أرضا وإنسانا وتأريخا.
مؤلفاته:
1. مع الفجر -شعر- حلب 1952.
2. شاعر بين الجدران -شعر- بيروت 1954.
3. أعاصير في السلاسل -شعر- حلب 1954.
4. ثائر من غفار -شعر- بيروت 1955.
5. رمال عطشى -شعر- بيروت 1957.
6. قصائد عربية -شعر- بيروت 1959.
7. الدم والنجوم الخضر -شعر- بيروت 1960.
8. أمواج بلا شاطئ -شعر- بيروت 1961.
9. رسائل مؤرقة -شعر- بيروت 1962.
10. أزهار الضياع -شعر- بيروت 1963.
11. كلمات مقاتلة -شعر- بيروت 1986.
12. أغنيات صغيرة - شعر- بيروت 1967.
13. أغنية في جزيرة السندباد -شعر- بغداد وزارة الإعلام 1971.
14. أغان بريشة البرق -شعر- دمشق وزارة الثقافة- 1971.
15. ابن الأيهم -الإزار الجريح -مسرحية شعرية- دمشق 1977.
16. الفارس الضائع (أبو محجن الثقفي) - مسرحية شعرية- بيروت 1969.
17. إنسان -مسرحية شعرية- دمشق 1969.
18. ميسون وقصائد أخرى -مسرحية وقصائد- دمشق 1973.
19. ديوان الأطفال -شعر للأطفال- دمشق 1969.
20. المستقبل -مسرحية شعرية للأطفال- دمشق 1969.
21. النهر -مسرحية شعرية للأطفال- دمشق 1969.
22. مسرحيات غنائية للأطفال -دمشق 1969.
23. أناشيد للصغار -دمشق 1970.
24. الصيف والطلائع -شعر للأطفال- وزارة الثقافة- دمشق 1970.
25. القطار الأخضر -مسلسل شعري للأطفال - بغداد 1976.
26. غنوا أيها الصغار شعر للأطفال- اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1977.
27. المتنبي والأطفال - مسلسل شعري للأطفال- دمشق 1978.
28. الديوان الضاحك -شعر للتسلية- بيروت 1979.
29. غنوا يا أطفال (مجموعة كاملة من عشرة أجزاء تضم كل الأناشيد التي كتبها الشاعر للأطفال)- بيروت 1979.
30. الكتابة أرق -شعر- دمشق 1982.
31. دفتر النثر - دراسة- دمشق 1981.
32. الفراشة -دمشق 1984.
33. باقة النثر -دمشق 1984.
34. إني أواصل الأرق -دمشق 1984.
تم تكريمه من قبل ديوان العرب في الثامن من يناير 2005

-------------------------------
http://www.diwanalarab.com/

onsdag den 5. august 2009

صراع لا ينام بين المسيحيّة والإسلام؟!


بقلم: تركي عامر (*)
turkiamer@yahoo.com

برغم مرور نيّف وستّة عقود على إقامة "دولة اليهود" (بحسب المنطوق الحرفيّ لوثيقة استقلالهم)، يبدو أنّ الحركة الصّهيونيّة، على اختلاف أطيافها الفكريّة والسّياسيّة العلنيّة (والمخفيّ أعظم)، لن تملّ من تكرار مانترا (Mantra) عنصريّة بامتياز، ألّفها المايسترو هرتسل: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". فلا توفّر هذه الحركة، في صبحها والمساء، أدنى فرصة (وأدهى فكرة) لإنكار الرّواية الفلسطينيّة (ملحًا ووبرًا)، وكأنّ فلسطين "فعلاً" كانت، كما يزعم "الرّائي" الملتحي، مجرّد أرض (لا معلّقة ولا مطلّقة) تنتظر "شعبها المختار" العائد من التّيه.

لا تكلّ آليّات الدّعاية الصّهيونيّة، وبمنتهى الصّفاقة الأخلاقيّة، عن حُمَّى التّلفيق (على الطّالع والنّازل) بأنّه ليس ثمّة شعب فلسطينيّ صاحب حقّ شرعيّ ومشروع في تقرير مصيره السّياسيّ (كينونةً وكيانًا)، وكأنّ الّذي اقتُلعت روحه من هذا "الهُنا" وشُرّد مع الرّيح في ذلك "اللاّهناك"، لم يكن فلسطينيًّا، بل ربّما (!) غجريًّا أو كرديًّا أو تبتيًّا أو أرمينيًّا. ولكلّ من هؤلاء الزّملاء في مزارع "تربية الأمل" (محمود درويش)، لكلّ "صهيونيّته" الخاصّة والخصوصيّة، والمتخصّصة بتفكيك حلمه القوميّ.

لن أروح إلى تجنيد فتاوى العروبة والإسلام لتفنيد دعاوى الصّهيونيّة والتّوراة. أترك المهمّة للمؤرّخين (الجدد)، للحيلولة دون حرمانهم كفاف حبرهم. وإمعانًا في تقصّي عنقاء الموضوعيّة، سأطوّبُني، في هذه العجالة، كائنًا من كوكب آخر يقرأ الكرة الأرضيّة دون نظّارات طبّيّة. ضعوا الأحزمة. أراني سائقًا سفينة فضائيّة، مفرّغة من الجاذبيّة، وبطّاريّتها النّوويّة "على آخر نَفَس".

ككائن فضائيّ لا علاقة له بالكرة الأرضيّة "لؤلؤة الكون" (Andrew Tomas)، أرى إلى الفلسطينيّ أينما وُجد، ومعه اليهودي أينما وُجد، ضحيّة صراع قديم جديد (ومتجدّد على الدّوام) بين أدعياء المسيحيّة وأدعياء الإسلام، لا بين المسيحيّة والإسلام، كحضارتَيْن/ ديانتَيْن/ عقيدتَيْن متنافستَيْن (على أرواح النّاخبين)، علمًا أنّ الثّانية جاءت لتكمل (تكمّل) الأولى، لا لتنقضها أو تناقضها، لا لتنسفها أو تنافسها.

والدّين، "في ملّتي واعتقادي" (المعرّيّ)، بمعناه الرّوحيّ الْمُنَزَّه عن الغائيّة المادّيّة والغرضيّة الأرضيّة، مركّب أساس من مركّبات الحضارة البشريّة بمعانيها الجميلة والنّبيلة والأصيلة، بعيدًا عمّا من شأن جوعه (إلى "الحقيقة") أن يغمّس خارج صحن هذا المعبد أو ذاك، مع احترامي العميق للمعابد كافّة، حتّى الإلحاديّة منها، في حرّيّة البخار والبخور، والطّواطم (Totems) والنّذور، والشّموع والدّموع، والطّواف والرّكوع. وأكرّر احترامي لطقوس الجميع، دون استثناء، في تعلّقهم بحبال الهواء وعلاقتهم بجبال السّماء.

وقبل المضيّ قُدُمًا، وللحيلولة دون إساءة فهمٍ (أو هضمٍ دون مسهّلات غازيّة)، أسجّل، هنا الآن، أنّني، في كلامي على المسيحيّة، لست أقصد الدّيانة الّتي تحمل بشارة السّلام والمحبّة المنسوبة إلى السّيّد المسيح عليه السّلام. فالمسيحيّة الأصيلة، بمفهومها الفدائيّ العفيف (جلجلةً وقيامةً)، براء ممّا فعلوا ويفعلون باسمِها من حروب صليبيّة (وصكوك غفران) وإرساليّات كولونياليّة، تمامًا كما الإسلام الحنيف، بمفهومه الرّسوليّ الشّريف (هجرةً ومعجزةً)، براء ممّا فعلوا ويفعلون باسمه من حروب جهاديّة (وحور عين) وفتوحات لا تقلّ كولونياليّة.

وأفتح قوسًا: الحركات المعتقديّة (والعقائديّة) تستمدّ مشروعيّتها، أو برنامجها الانتخابيّ، من تبشير بعالم لذائذيّ (فردوسيّ) منشود. ومن هنا، ذلك التّعصّب، الأعمى على الغالب، لهذا المذهب الدّينيّ أو ذاك الحزب السّياسيّ، والدّفاع المستميت عمّا تستثمره هذه الدّيانة، أو تلك الإيديولوجيّة، من أسهم في المشروع الجنّتيّ، أو في البورصة الماورائيّة (Metaphysical). فيمارس الإنسان، في أحلامه الّلانهائيّة، نوعًا من التّوليف بين المتناقضات، فلا يكفّ عن الجمع، تخييليًّا على الأقلّ، بين المرئيّ والماورائيّ. فالجنّة، بوصفها حلم الأحلام، هي شغلُ واعيتِه الشّاغل وهاجس لاواعيتِه الدّائم، وأحد أهمّ مصادر قلقه الرّوحيّ، ناهيك عن أسباب القلق الوجوديّ (Existential) الضّاغظة على الوعي (العقل المرافق) واللاّوعيّ (العقل المفارق) بما لا يقبل المساومة أو التّصالح.

وبعد، ليس كلّ لاواعٍ عائدًا، بالضّرورة، إلى ما يُسمّى ليبيدو (Libido)، حسب فرويد (Freud). لهذا اللّيبيدو شقيق توأم هو ريليدْجُو (Religio)، يقترحه فكتور فرنكل (Victor Frankel)، شيخ طريقة الّلوغوترابيا (Logotheraphy) الطّبّنفسيّة. وعليه، ليس لكلّ لاواعٍ، حتمًا، علاقةٌ (حصريّة) بالجنس. ثمّة مكبوتات وثيقة الصّلة بالدّين، حتّى عند ثقاة الملاحدة وعتاة العلمانيّين. فبمحاذاة القطاع الجنسيّ في اللاّوعي، ثمّة قطاع دينيّ (روحيّ/ أسطوريّ/ خرافيّ/ غيبيّ/ ماورائيّ/ لاهوتيّ) يحتلّ أرضًا احتلاميّة (على الأقلّ) في اللاّوعي عينه.

وربّ مستهجن يعترض: لكنّك، بهذه الرّؤية الحادّة، تساوي بين الجنس والدّين. فأردّ على النّار: الجنس والدّين وسيلتان لإطفاء شهوة ما، لبلوغ ذروة ما. بالجنس نحاول الوصول إلى النّشوة، وهذه عرض أوّليّ (Premier)، أو صورة مصغّرة (Miniature)، عن الجنّة. وبالدّين نحاول الوصول إلى النّجوى، وهذه جواز مرور إلى الجنّة. وثمّة علاقة لفظيّة، بالغة الدّلالة في ما يتعدّى حدود البلاغة، بين الدّخول والخلود.

أغلق قوسًا يعيدنا إلى موضوعنا: إنّه، وبامتياز، صراع بين أدعياء المسيحيّة وأدعياء الإسلام، وذلك منذ أوّل حملة صليبيّة على الأقلّ وحتّى إنفلونزا الخنازير (والحزازير)، مرورًا بهولاكو ونابّليون وربيع الشّعوب وأكتوبر العظيم والرّجل المريض والمحرقة والنّكبة والنّاصريّة والبعث والنّكسة وكامب ديفيد وثورة الخمينيّ والعرب الأفغان والحروب على العراق والحادي عشر من أيلول والحرب على "الإرهاب" ونشر الدّيانة الدّيمقراطيّة، وسواها من ألاعيب وأكاذيب، كالمظاهرات المناهضة للحرب، واللّقاءات البروتوكوليّة بين العالَمَيْن/ الحضارتَيْن/ الدّيانتَيْن، منذ شارلمان والرّشيد وحتّى أوباما وخادم الحرمين، مرورًا بعدم الانحياز والفرانكفونيّة والمتوسّطيّة وسواها من أطر وتظاهرات، ظاهرُها تلميعٌ مفضوح يُراد به تمييعًا أشدَّ "فضاحةً" للصّراع أو لفلفة الطّابق (غير المستور).

يبدو للماركسيّين المتشدّدين بأنّ الصّراع على فلسطين صراع طبقيّ: بين برجوازيّة ظالمة تدعمها رأسماليّة جهنّميّة، وبروليتاريّة حالمة بجنّات تجري من تحتها أنهار صاعدة لولبيًّا إلى سدرة إلغاء الدّولة. غير أنّ التّجارب البروليتاريّة أثبتت، للأسف الدّيالكتيكيّ الشّديد، أنّ طبيعة الرّوح البشريّة فردانيّة سافرة، كافرة بإمكانات التّقاسم والمساواة والتّعاون والمواساة. ولو كان الصّراع طبقيًّا، كما يَتَمَحْلَم الماركسيّ (نوسطالجيًّا)، فلماذا، إذن، لا تتعاون البروليتاريا الصّهيونيّة (الإسرائيليّة) مع البروليتاريا العربيّة (الفلسطينيّة) على إيجاد حلّ (ولو ثنائيّ القوميّة) للصّراع؟! فالشّيوعيّ الإسرائيليّ، منذ نعومة أظفار الكيان الصّهيونيّ، كان أوّل من نطق بشهادة "دولتين لشعبَيْن"، سلّم بها (وأسلم) وتشيّع لها، مؤخّرًا، غلاة المحافظين الجدد من "دالاس" حتّى "حماس".

ويبدو للقوميّين المتشدّدين (أيضًا) بأنّه صراع بين دِيكَيْ حركتَيْن: الصّهيونيّة والعروبة، على طريقة "يا قاتل يا مقتول"، دون أدنى اعتبار لحلٍّ وسط (قد) يرضي الوسطيّين (المعتدلين) من الطّرفَيْن، مع أنّ "التّطرّف كلّ الحقيقة والاعتدال نصف الباطل" (كمال خير بك). ولكن، لا هذا رمى ذاك في البحر وليمةً لأسماك المتوسّط، ولا ذاك شرّد هذا إلى الصّحراء وليمةً لضباع الصّعاليك. ويظلّ الطرّفان "السّماويّان" وليمةً لآلة حرب أرضيّة، لا تعرف الرّحمة ولا الرّحمن الرّحيم.

وتصعيدًا (بكلّ المعاني)، ثمّة من يرى إلى الصّراع وكأنّه صراع آلهة: بين حملة لواء "الشّعب المختار" (!) من جهة وحملة لواء "خيرُ أمّة" (!) من الجهة الأخرى. غير أنّ التّاريخ مليء بصفحات مشرقة للتّعايش السّلميّ (حدّ الأهليّ)، والعيش المشترك (حدّ الأكل على طبق واحد)، بين أبناء إسحق وأبناء إسماعيل على مرّ العصور وفي مختلف الأمصار. ويستمرّ الصّراع "أجيال ورا أجيال" (أوبيريت الحلم العربي)، ولا أحد يحرّك ساكنًا (أو ساخنًا سيّان) لوقف حمّام "الدّم والدّمع والدّمار والدّخان" (سميح القاسم). وتزداد الأخبار العاجلة تلاحقًا (وتلاقحًا) في أسافل الشّاشات، أخشى ما أخشاه أنّه لا سبيل إلى وقفها إلاّ بمِسْلاَطٍ (Remote Control) "قيامة" يعمل على بطّاريّات نوويّة.

أفتح، هنا، نافذة برعاية "آل وندوز" (Windows)، قدّست "النّتّ" (Net) شاشاتِهم وشبابيكَهم أجمعين، لأطرح سؤالاً هشًّا على طاولة الأسرة (؟!) الدّوليّة الأكثر هشاشة: لماذا سكت العالم "المتحضّر"، محرقتذاك، إلى أن أجهز النّازيّ على ستّة ملايين يهوديّ؟! هل كان السّكوت علامة رضا؟! ولماذا سكت العالم "المتمدين" (؟!)، نكبتذاك، إزاء تشريد شعب من فيزياء تاريخه وكيمياء جغرافيّته؟! وهل كان السّكوت، هنا أيضًا، علامة رضا؟! إذا كان الأمر كذلك، فالصّمت، إذن، سيّد الوقت. والوقت، صامتًا أو صائتًا سيّان، موت. لأنّه (الوقتَ) روحٌ لا تتقمّص.

فاصل إعلاني غير مدفوع: برغم ما أنتجت (وتنتج) من أسلحة دمار شامل لا تُغتفر، لا أحد ينكر ما للحضارة الغربيّة من أفضال وفضائل وفضلات على الإنسانيّة جمعاء، لجهة الاكتشافات العلميّة والاختراعات التّكنولوجيّة (منذ القاطرة البخاريّة حتّى الإنترنت)، ولجهة القيم والمقولات الاجتماعيّة والسّياسيّة (أهمّها فصل الدّين عن الدّولة). ولا أحد ينسى المساعدات والمعونات السّخيّة الّتي قدّمها ويقدّمها الغرب لمختلف البلدان والشّعوب النّامية (والنّائمة) والمتنامية (والمتناومة). وبوصفه حضارةً (بالمعنى الأنثروبولوجيّ على الأقلّ)، يحقّ للغرب، كما لأيّة حضارة، أن يدافع عن حقّه في التّمسّك بمنجزاته المادّيّة والرّوحيّة. ولكن، ليس من حقّ هذا الغرب العظيم بكلّ المقاييس، عقلانيّةً وعلمانيّة/ ديمقراطيةً ولبراليّة/ علنيّةً وشفافيّة، ليس من حقّه، تحت أيّ ظرف من الظّروف، أن يستغبي العالم بازدواجيّة فاضحة هنا ومفضوحة هناك، ولا سيّما في ما يتعلّق بفلسطين والعرب والمسلمين.

ليس خفيًّا على أحد أنّ هذا الغرب، من أعالي أوروبا إلى أواطي أميركا، ومنذ مطلع الاستعمار الحديث، على الأقلّ، يغازل البوذيّة والهندوسيّة وسواهما من حقول أنثروبولوجيّات، لغايات في نفس يعقوب (ويعسوب ويعشوب)، يستضيف زعماءهم الرّوحيّين والسّياسيّين، يحتفي بهم ويكرّمهم، يقيم لهم معاهد ومؤسّسات في كبريات حواضره "المنفتحات" على الحضارات والثّقافات والمعتقدات والدّيانات، وكأنّي بأبناء غير مجتمعات يغارون جرّاء هذا الغزل (السّياحيّ على الأقلّ).

الغرب يتباكى على تماثيل بوذيّة (من حجر) حطّمتها "طالبان" في أفغانستان، ويرصد ميزانيّات سخيّة لإعادة تنصيبها. وما من عاقل لا يدين ما تفعله أيّة جهة "ظلاميّة" في التّاريخ، منذ جنكيز خان وحتّى بوش خان، مرورًا بشارون خان صابرا وشاتيلا وصدّام خان حلبجة، وسواهم من خانات ومربّعات وخَوَنَة ومُرَابعين. لكنّ الغرب نفسه يتصنّع التّباكي على "تماثيل" عربيّة فلسطينيّة (من بشر) شرّدتها الصّهيونيّة، ويرصد ميزانيّات مشروطة (بمباركة أنظمة ركوع عربيّة) لإعادة إعمار هنا أو هناك، ولكن بعد سكوت فاضح عمّن تسبّب في الحاجة (الفسفوريّة) إلى إعادة الإعمار.

يطيب لأحدهم أن يذكّر، وقد تنفع الذّكرى وقد لا تنفع، بأنّ الغرب انتصر للبوسنة وكوسوفو وجرجر مجرمي حرب غربيّين إلى محاكم دوليّة. هذا صحيح، ولكن لغاية في نفس الأطلسيّ: كي يصدّق العالم موضوعيّة الغرب، وعلنيّة الغرب، ومصداقيّة الغرب، وشفافيّة الغرب. فلماذا، إذن، يماطل الغرب نفسه في قبول تركيا عضوًا في الاتّحاد الأوروبّيّ؟! ماذا لو كانت تركيا غير مسلمة؟!

ولماذا هبّ الغرب هبّة رجل واحد لإنقاذ الكويت من المحتلّ العراقيّ بعد أيّام من احتلالها، ثمّ لإنقاذ المنطقة من خطر "النّوويّ" العراقيّ الّذي لم يكن موجودًا أصلاً؟! ولا يهبّ الغرب نفسه سُدْسَ هبّة لإنقاذ فلسطين بعد ستّين عامًا من اغتصابها؟! وقد نتساءل: كيف تراه يفعل ذلك ومغتصب فلسطين ما هو إلاّ أداة الغرب الأماميّة في تأجيج ما يُسمّى بـ "صراع الحضارات" مع "الشّرق"؟! ولكن، أيّ شرق؟!

ولماذا لا يهبّ الغرب، نفسه وعينه وذاته، لإنقاذ العالم من خطر النّوويّ الكوريّ الشّماليّ، سيّما وأنّ سماحة الأمين العام للحزب الشّيوعيّ في بيونغ يانغ غير محسوب على أعضاء النّادي الدّيمقراطيّ "الخاصّ" بالعالم "الحرّ"؟! لكن، لا خوف، فهذا الكوريّ المشاكس، على أيّة حال، بعيد عن بؤرة الصّراع الكونيّ (الشّرق الأوسط)، ومن المؤكّد أنّه لا وقت لـ "العقلاء" للّعب مع "المجانين" (!).

ولماذا يمهل الغرب (ويهمل) في الملفّ النّوويّ الإيرانيّ؟! ألأنّ الوليّ الفقيه الأميركيّ آية الله داو دجونز، ومعه رئيس مصلحة تشخيص النّظام آية الله وولستريت، ينتظران "عودة" الأسهم الأماميّة إلى ما كانت عليه قبل أن تعيث فيها ثورة المحافظين الجدد "بشبشةً" رعناء انتهت بحذاء من "منتظر" عراقيّ؟! أم لأنّ الإيرانيّ ليس عربيًّا، وثمّة جذور هندوآريانيّة تجمعه مع قبائل كانت نزحت (زااااماااان) إلى أوروبا بُعيد "نكبة" ما؟! وبالعودة من هناك إلى الآن، من غير المستبعد أن يكون الغرب معنيًّا بإيران نوويّة. لماذا؟! ربّما لإشغال المنطقة العربيّة (وإشعالها) بقضيّة أخرى (قد) تغطّي على قضيّة فلسطين، مرورًا بإذكاء صراع سنّيّ شيعي (وعربيّ فارسيّ) يغرق المنطقة في حروب أهليّة ترقى جذورها إلى ذي قار والسّقيفة والقادسيّة (؟!).

وهنا، إسرائيل (قدّس الغرب أزرارها النّوويّة وكرّسها تكريسًا مبينًا ومبيدًا لأصابع مجلس "الأمن")، تدخل على الخطّ "مهدّدة" بضرب إيران. والغرب، في قرارة نفسه، سيكون سعيدًا إذا ما أقدمت إسرائيل على هكذا خطيئة إستراتيجيّة، لكنّه يتصنّع النُّصْح بعدم الإقدام على هذه، لسببَيْن. أمّا الثّالث: إذا "نجحت" إسرائيل في تسديد ضربة لإيران، فقد تكسب ودّ العالم العربيّ، ويروح الأخير إلى إحياء "المبادرة العربيّة" حدّ التّطبيع دون شروط مسبقة. وهذا ما لا يتمنّاه الغرب، لأنّه يتعيّش، منذ عقود، على نار الصّراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، بل يستمدّ "سيادته" على العالم من سَدَنةَ الدّم وسادة النّفط الشّرقأوسطيّين (!).

الغرب، كما أسلفنا (وسولفنا)، يحفل بمؤسّسات بوذيّة وهندوسيّة على أرضه، غير أنّه، ويا للمفارقة المرّة (مرارة الكينا في تجفيف مستنقعات تعجّ بالبعوض)، يضيق ذرعًا بمؤسّسات خيريّة إسلاميّة، لأنّها، بحسب زعمه، "تدعم الإرهاب". ويكون، بعد حدعش أيلول (أو "غزوة منهاتن" كما تسمّيها "القاعدة")، أن تندلع "الحرب على الإرهاب" (!). ثمّة من يزعم أنّه من حقّ الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تدافع عن نفسها، حدّ ملاحقة العيّار إلى باب الدّار، ولكن ليس بشكل يوحي وكأنّ أمن الكرة الأرضيّة مسؤوليّة حصريّة أسندتها السّماء (الغائبة والمغيّبة تمامًا) لماما أمريكا وأمّها الكونتيسة أوروبا، بوصفهما وصيّتَيْن شرعيّتَيْن على القاصر "حرّيّة".

وعلى سيرة "الحرّيّة"، ينطّ سؤال من بين السّطور: لماذا تستضيف أوروبّا كاتبًا مثل سلمان رشدي، بصرف النّظر عن قيمة كتابه الموسوم بـ "آيات شيطانيّة"؟! وتروح ملكة بريطانيا، إليزابيث آل وندزور، إلى تكريم رشدي بلقب "فارس" (من أرفع الأوسمة الّتي تُمنح لمن قدّموا خدمات جليلة للمجتمع البريطانيّ). لأنّه يطيب للغرب أن يلعب دور "المغيث للملهوف" الهارب من حبل المشنقة في بلاد المسلمين، لا لعيون الهارب، بل إدانةً دامغة لما هو هارب منه.

وهنا، على العالم الإسلامي، منظومةً عقائديّة وأنظمة سياسيّة، أن يعيد النّظر في مسألة قبول الآخر المختلف من أبناء جلدته ولو كان كافرًا، كافلاً له حقّ البقاء على ذمّة الحياة، عملاً بحرّيّة المعتقد والفكر والرّأي والكلمة، والكفّ (نهائيًّا لا إجرائيًّا) عن فتاوى التّكفير والتّهجير والتّرهيب والتّهريب، لتفويت الفرصة على من يزعم بأنّه اللّبراليّ وأنّه الدّمقراطيّ وأنّه التّعدّديّ، وأنّه الصّدر الأوسع لاستقبال المستجيرين من رمضاء أهلهم بنار "جيران" أهلهم، في حين أنّه (الغرب)، ومنذ خمسة عشر قرنًا، يعادي الإسلام والمسلمين، وفق ما يروح إليه مدمنو "نظريّة المؤامرة". وعليه، هل الإسلام، لا الشّيوعيّة ولا البطّيخيّة، هو ما يقضّ مضجع الغرب ويطيّر النّوم من عينيه (الآريّتَيْن تحديدًا)؟!

أمّا اليهود (بفكرهم الصّهيونيّ المتنكّر للرّواية الفلسطينيّة وممارساتهم الإسرائيليّة المدمّرة لأيّة نافذة تطلّ على بعض حُلُم ببعض سلام)، فثمّة من يرى إليهم مجرّد أداة بيد الغرب في لعبته/ تسليته، السّياديّة ربّما، مع الإسلام والمسلمين. فوعد بلفور الّذي أرهص للّعبة، والمحرقة الّتي عجّلت اللّعبة، ومن ثمّة إقامة إسرائيل، كحقيقة جغراسيّة (geopolitical) واضحة للعيان، كانت ضربًا لعصفورَيْن (على الأقلّ) بحجر واحد:

يرتاح الغرب من اليهوديّ في أوروبّا تحديدًا، بغية تنقية القارّة ممّا "يعيث" فيها من "أخلاط" ساميّة تخربط ترتيب الفسيفساء الآريّة (؟!). فيزرعون له "دولةً يهوديّة" كي يحلّ عن ظهرهم. وأين؟! في قدس أقداس المسلمين. لماذا؟! كي يتقاتل مع المسلمين إلى يوم الدّين. وأين تدور رحى الاقتتال الأبديّ؟! هنااااااااااك في الشّرق، بعيدًا عن حواضر أوروبّا، "النّظيفات" من السّاميّين. ولكن، لماذا؟! ربّما عقابًا على تسبّب "إكس" في صلب السّيّد المسيح عليه السّلام (؟!)، وعقابًا على رأي "واي" القائل: "وما صلبوه.. ولكن شُبِّه لهم" (؟!).

وكأنّي بالغرب، بوصفه ممثّلاً (غير وحيد) للمسيحيّة، عاتب على "واي" لأنّه يبرئ ساحة "إكس" من صلب المسيح. فعقابًا لكليهما، كان "يجب" أن يُصار إلى إشعال فتنة أبديّة بينهما. ويطيب للغرب، هنا، أن يلعب دور كبير الأبناء في طقس إحراق جثّة الوالد على الطّريقة الهندوسيّة، حيث لا يترك للنّار أن تخمد قبل أن تأتي على الجثّة بالكامل، ومن ثمّة ينثر الرّماد في النّهر المقدّس. ومن هو الوالد؟! جنوحًا إلى جنون نيتشويّ، أزعم أنّه الله. ولتخفيف الصّدمة على أحباب الله من جميع جهات الإيمان، سأقول إنّها جثّة الوالدة. والوالدة، هنا، هي أمّنا الأرض. وخالتنا من تكون؟! من غير السّماء؟!

وهكذا (وبالحجر نفسه)، يشغل الغربُ العالمَ الإسلاميّ (ويشعله) بقضيّة فلسطين، ولا سيّما القدس الشّريف، لا لإلهائه فقط عن التّوسّع نحو أوروبّا خصوصًا والغرب عمومًا، مستنزفًا وقته وروحه وجسمه وماله وولده في الصّراع (جهادًا واستشهادًا)، بل ولإلهائه عن النّهوض بمجتمعاته حضاريًّا، للحيلولة دون استعادته لدور رياديّ لعبه المسلمون عمومًا، والعرب خصوصًا، على مستوى العالم، حتّى مطلع العصور الحديثة.

وبالمقابل، ثمّة من يرى أنّ الفلسطينيّ (أيضًا) أداةٌ بيد أدعياء العروبة والإسلام (الّذين بلعوا الطّعم كذلك) في لعبتهم/ تسليتهم مع أدعياء المسيحيّة، وتستمرّ اللّعبة. والسّؤال: إلى متى؟! إلى يوم الدّين؟!

وأخيرًا، كيف يُعقل أن حضارتَيْن عريقتَيْن، أو ديانتَيْن سماويّتَيْن (اليهوديّة والإسلام)، تتقاتلان سحابة مئة عام من تحت رأس حجر، ولا عقلاء في الطّرفَيْن (وفي العالم "الحر") ليصرخوا "كفاكم جنونًا"؟! وهل هذا الحجر، مهما تقدّس وتكرّس، أغلى من دمعة أمّ (فلسطينيّة كانت أم إسرائيليّة) على ابن تطحنه آلة حرب جهنّميّة كافرة بقيمة الحياة؟! وأيّ دين يقبل بذلك؟!

حرفيش، الجليل، 27 تمّوز (يوليو) 2009.

(*) تركي عامر، شاعر فلسطينيّ من "القارّة" العربيّة الثّمانيأربعينيّة.

"أسمّيكِ حلماً وأنتظر لَيلي"


"أسمّيكِ حلماً وأنتظر لَيلي"
لماجد أبو غوش

خلقت المخيلة الشعرية العربية عبر تاريخها ومحطات تطورها المتعددة صورا للعالم بكل تفاصيله، وكما يقول الفيلسوف الالماني هايدغر فإن الشعراء هم الذين يمنحون الاشياء أسماءها. أعطت المخيلة الشعرية اسماً الى الحبيبة والى الوطن والى القضية والى أشيائنا الشخصية. ومهما اختلفت مفاهيم الاشياء ومسمياتها عبر التاريخ من قصيدة الجاهليين الى قصيدة الشعراء في منتصف القرن الماضي الذين ثاروا على قيود القصيدة القديمة، وصولا الى شعراء قصيدة النثر الذين يدفعون بالقصيدة الى آفاق شعرية اكثر رحابة، فإن هدف الشاعر هو ان يمنح الاشياء اسماء جديدة، ربما تخصه في البداية لكنها تصبح أعلاما تُعرَف بها الاشياء لاحقاً، تبعا لفنية هذا الشاعر وعمقه وحساسية رؤيته.الشاعر الفلسطيني ماجد أبو غوش (من مواليد 1959) في ديوانه العاشر، "أسميكِ حلماً وأنتظر ليلي"، الصادر حديثاً عن "دار النهضة العربية" يعلن صراحة أنه "سيسمي الأشياء بأسمائها". ولأنه فلسطيني، فهو يحمل على كتفيه عبء المأساة الفلسطينة بكل تاريخها وتفاصيلها، ويحاول ان يكتب شعريا تفاصيل هذه المأساة التي تتسع لتشمل مدنا عربية أخرى اكتوت بنيران الاحتلال الاسرائيلي أو راعيه الاميركي، من مثل بيروت وبغداد وقانا وغزة.

لكن الشاعر يتفادى الغوص في الواقع الذي يكتب من خلاله وعنه. في مفتتح الديوان يستعير مقطعا من قصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" لأمل دنقل ليأخذنا إلى منطقة الاشياء، التي ستحتفظ بأسمائها من دون تغيير، ربما خوفاً من النسيان أو الضياع وسط زخم شظايا الواقع التي تجرف كل شيء. هكذا لا نجد ايّ التفات الى تفاصيل الواقع الجديدة التي تكتسب كل لحظة ثوبا مغايرا، في حين تبقى في قصائد أبو غوش ثابتة.ثمة امرأة في أولى القصائد تجرّ قدميها بما تبقّى من أطفالها تجاه ما تبقّى من البيت والبحر والقلب. تذهب لتروي شجرة ياسمين، من أجل أن تظلل أسماء الشهداء. القاتل واحد في المدن العربية، على ما يعلن أبو غوش في إحدى قصائده، "في قانا كما في بيروت في غزة كما في بغداد كان القاتل واحداً. made in USA"، إلا ان "الذي رفعني على الصليب كان أخي والذي دفعني الى البئر كان أخي". عندما يصف الشاعر "القاتل"، فهو يصف ماكينة للقتل مجردة من أي شيء. فليس لهذا القاتل أب أورثه لون العينين، أو ام يذكر طعم حليبها، أو ابن ينتظر عودته كل مساء، وهو لا يعرف متعة السير عاري القدمين، ولا شفاه النساء. جلّ ما يعرفه هو ممارسة القتل، والتلذذ برائحة الدماء. هو قاتل فقط.
في رصافة بغداد يتساءل الشاعر: "هل مر حصان ابي الطيب من هنا؟" وفي ليل بغداد يمضي الشاعر "صوب الشعر، وصوب الحب"، و"في الشام خيل وورد وامرأة تغني خذني إلى النهر".
محمد فرج



lørdag den 1. august 2009

أنطاكية



مفيد العابد، ناظم عيسى

أنطاكية Antakya في سورية واحدة من أشهر المدن التي أنشأها في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد سلوقس الأول نيكاتور[ر] أحد القادة الذين خلفوا الاسكندر الكبير المقدوني، وهي واحدة من ست عشرة مدينة أقامها سلوقس وأطلق عليها هذا الاسم تخليداً لذكرى والده أنطيوخس Antiocheia.

تقع المدينة في شمال غربي سورية عند الطرف الجنوبي لسهل العمق، يحدها شرقاً جبل حبيب النجار (سلبيوس Silpius) وهو جزء من الجبل الأقرع (كاسيوس Casius) كما يحدها غرباً نهر العاصي. وتبعد عن شاطئ المتوسط نحو 25كم. ولها عدة مسميات تميزها من غيرها أشهرها «أنطاكية على نهر العاصي» و«أنطاكية دفنة»، وإن كانت قد اشتهرت بالاسم الثاني أكثر من غيره.
أما الإحداثيات الجغرافية للمنطقة فهي دائرة العرض 36 درجة و15 دقيقة شمال خط الاستواء، وخط الطول 36 درجة و8 دقائق شرق غرينتش، مساحتها 36كم2، كان يحيط بها سور طوله 30كم وعليه 360 برجاً، وله سبعة أبواب، ولم يبق منه سوى أطلال قليلة، ويتبعها سبعة أقضية وإحدى وعشرون ناحية و362 قرية و464 مزرعة، وهي على ارتفاع 80م فوق سطح البحر.

تروي المصادر عدداً من الأساطير التي حيكت عن أهمية المدينة وموقعها. ويزعم الخطيب ليبانيوس Libanios الذي اشتهر بحبه الشديد لها لأنها مسقط رأسه أن الاسكندر المقدوني كان صاحب فكرة إنشاء المدينة في هذا الموقع. وهو أمر تنفيه المصادر الأخرى التي تذكر أن سلوقس الأول نيكاتور وضع أساساتها في يوم 22 أرتميسيوس (أيار) سنة 300ق.م. وتألفت حين إنشائها من حيين يفصل بينهما سور خاص.

وتدل المعالم الأثرية فيها، على أن أنطاكية خططت وفقاً للنظام الشبكي (الشطرنجي) الذي غلب على تخطيط مدن تلك الحقبة بعد نجاحه، وعلى أن اتجاهاتها حُددت بدقة بالغة لتستفيد إلى أقصى حد من أشعة الشمس في الشتاء ومن الظلال والنسيم الذي يهب من البحر صيفاً. ولا تذكر المصادر القديمة أي معلومات عن المباني العامة التي أقيمت عند إنشاء المدينة باستثناء ما يذكره أحد المؤرخين عن معبد «زيوس بوتيايوس» الإله الحامي للأسرة المالكة. وتذكر المصادر أن سلوقس أسكن منشأته الجديدة أهالي مدينة «أنتيغونية» فأقاموا في الحي الأول من المدينة، وسكن إلى جوارهم المقدونيون الذين تقاعدوا بعد الخدمة في جيش سلوقس، إضافة إلى عدد من أبناء كريت وقبرص، في حين أقام السكان المحليون السوريون مع الجالية اليهودية في الحي الثاني. كما تذكر المصادر نفسها أن زيادة عدد السكان ولاسيما بعد هجرة الإيتوليين التي أعقبت هزيمة أنطيوخس الثالث أمام الرومان، أجبرت سلوقس الرابع (246 - 226ق.م). ثم أنطيوخس الرابع (175- 163ق.م) على إضافة الحيين الثالث والرابع إلى المدينة.

وقد شاع لمدة من الزمن أن أنطاكية منذ تأسيسها كانت العاصمة الأولى لامبراطورية سلوقس الأول نيكاتور في منطقة غربي آسيا. إلا أن شواهد النقود الكثيرة والمتنوعة التي عثر عليها حديثاً إضافة إلى دفن مؤسس الأسرة السلوقية في مدينة «سلوقية بيرية» وإشارات المؤرخ بولوبيوس في كتاباته، تؤكد كلها أن أنطاكية لم تتخذ عاصمة للسلوقيين إلا بعد وفاة مؤسس الأسرة، أو بعد الحرب السورية الثالثة (246 - 241ق.م) حين احتلت القوات البطلمية العاصمة سلوقية، ونقل سلوقس الثاني مركز حكمه إلى أنطاكية. ويبدو أنه منذ ذلك التاريخ استمرت أنطاكية مدينة مزدهرة تضاهي في جمالها وأهميتها السياسية مدن الشرق العظيمة كالاسكندرية وبرغامة حتى أواخر القرن الثاني ق.م حين أدت المنازعات الأسرية بين الملوك وأدعياء العرش إلى أن تنافسها مدينة دمشق التي أصبحت عاصمة أنطيوخس التاسع ودمتريوس الثالث وغيرهما من ملوك السلوقيين. وفقدت أنطاكية لاحقاً بعض بريقها السياسي حتى احتلها الرومان سنة 64ق.م، وأصبحت مركز الحاكم الروماني وجيوشه، ومركزاً تجارياً مرموقاً، إضافة إلى كونها ثانية مدن الامبراطورية الرومانية بعد الاسكندرية. وفي أوقات متتابعة أضاف إليها الأباطرة الرومان مثل يوليوس قيصر وفسباسيان وتراجان وكومودوس عدداً من المنشآت الرسمية والعامة، كالقصور والملاعب والأقواس والمعابد والأبراج والحدائق. وقد أضافت هذه المنشآت جمالاً إلى جمال المدينة. إلا أنها لم تبلغ جمال ضاحيتها دفنة التي نسبت المدينة نفسها إليها وتحدثت عنها الأساطير، مثل أسطورة «تحكيم باريس بين الإلهات هيرا وأفروديت وأثينة»، وأسطورة «أبولون ودفنة»، وأسطورة «غابة دفنة»، وكانت هذه الغابة تجاور أنطاكية وتضم أشجار الغار وهيكلاً عظيماً لأبولون احترق سنة 362م، وفيها كنيسة باسم القديس الشهيد بابيلاس أسقف أنطاكية طغت شهرتها على شهرة هيكل أبولون. كما تحولت القرية المجاورة لدفنة إلى مقبرة كبيرة لمسيحيي أنطاكية. وحين قدم «يوليانوس المرتد» امبراطور رومة إلى دفنة ليقرب قرباناً إلى أبولون ساءه الإهمال الذي أصاب الهيكل، وعدم إقامة الاحتفالات المعتادة، فثارت حميته الدينية، وأمر بهدم كنيسة القديس بابيلاس. كما أمر المسيحيين بنقل جثث موتاهم من دفنة إلى أنطاكية مع رفات القديس بابيلاس. وفي الليل أضرمت النار في الهيكل حول تمثال «أبّولون» فقط، واتهم يوليانوس مسيحيي أنطاكية بهذا الفعل. فأمر بإقفال أبواب المدينة وأباحها لجنوده.

حافظت أنطاكية على شهرتها في العهد المسيحي حتى غدت واحدة من أبرز أسقفيات الشرق إلى جانب القسطنطينية والاسكندرية، وعُرفت بدعوتها إلى المسيحية على طريقة التعليم الوضعي الأرسطي، على خلاف مدرسة الاسكندرية التي اعتمدت التعليم الرمزي الأفلاطوني. وعلى هذا أصبحت مدرسة أنطاكية أشد تمسكاً بطبيعة السيد المسيح البشرية في مقابل تمسك مدرسة الاسكندرية بطبيعته الإلهية. ويُعد يوحنا فم الذهب أشهر دعاة المدرسة الأنطاكية. كذلك اكتسبت أنطاكية شهرة تجارية لوقوعها على أحد أهم الطرق التجارية بين الشرق والعالم اليوناني - الروماني. وقد وفر لها موقعها هذا نوعاً من الرخاء والازدهار منذ عهود مبكرة وغدت سوقاً يقصدها التجار ومهرة الصناع، وحازت مصنوعاتها المحلية كالأحذية الجلدية، والعطور، والأقمشة الحريرية، والمصوغات الذهبية والفضية شهرة كبيرة.
وقد عانت أنطاكية في العهد الروماني اضطهاد الأباطرة الرومان بعد انتشار المسيحية كما عانت في أثناء الحروب بين الرومان والفرس. فقد حاصرتها جيوش سابور الأول واحتلتها وهجّرت سكانها، كما هاجمها كسرى أنوشروان سنة 528م ودمرها وهجّر عدداً من سكانها إلى مدينة طيسفون. وأجهزت الزلازل المروعة المتكررة على ما تبقى من مبانيها وسكانها. وقد أعاد الامبراطور جوستنيانوس بناء أنطاكية على الأنقاض التي بقيت بعد أن دمرها كسرى، ولكنها جاءت أصغر مساحة عما كانت عليه قبلاً.

استمرت أنطاكية على حالها هذا إلى أن حررها العرب المسلمون سنة 16هـ/638م، في أيام الخليفة عمر بن الخطاب وبقيادة أبي عبيدة بن الجراح الذي سار إليها من حلب ودخلها صلحاً، ثم دخلها ثانية عياض بن غنم بعد أن نقض أهلها العهد. وصارت من الثغور، وبقيت تتبع إمارة حلب في عهد الحمدانيين إلى سنة 356هـ /966م حين انتزعها الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس وجدد أسوارها وقواها حتى غدت من أحصن المدن، وظلت أنطاكية في يد البيزنطيين حتى سنة 477هـ/1084م حين استعادها صاحب قونية سليمان بن قطلمش السلجوقي. وفي سنة 492هـ/1098م استولى الفرنجة الصليبيون على أنطاكية في الحملة الصليبية الأولى بعد حصار طويل انتهى بمذبحة مروعة. وأسس الصليبيون فيها إمارة مستقلة تتبع اسمياً لمملكة بيت المقدس. وظلت أنطاكية خاضعة لحكم الفرنجة إلى أن استطاع الملك الظاهر بيبرس استردادها سنة 567هـ/ 1171م وأحرق قلعتها، وظلت أنطاكية من ممتلكات الدولة المملوكية إلى أن سقطت بيد العثمانيين سنة 923هـ/1517م، واستمرت تحت حكمهم مثل باقي الأمصار العربية إلى قيام الحرب العالمية الأولى، وتحرر العرب من الحكم العثماني. وغدت أنطاكية واحدة من مدن سورية وتبعت إدارياً إلى لواء اسكندرونة[ر] الذي اقتطعته تركية من سورية عام 1939.

ولأنطاكية شهرة سياحية واسعة، إذ يقصدها السياح لأهميتها التاريخية والدينية ففيها أُقيمت أول كنيسة أممية، وسُمي فيها تلاميذ المسيح مسيحيين، وقد أسس هذه الكنيسة القديسان بولس وبرنابا سنة 42م، وكان فيها مقر البطريركية الأرثوذكسية التي تفرعت عنها بطريركيات القسطنطينية وأنطاكية والقدس والاسكندرية وموسكو، وتعرف رسمياً باسم بطريركية أنطاكية وسائر المشرق.
ومن آثارها المهمة الجسر الروماني وجامع حبيب النجار الفريد من نوعه، ومتحف الفسيفساء، وكنيسة القديس بطرس، إضافة إلى بقايا قلعتها وأسوارها ومغاراتها. كما تشتهر أنطاكية بمنتجعاتها الجبلية الجميلة وبشاطئها الرملي عند مصب نهر العاصي، وتمتاز بطابعها العمراني الإسلامي الشرقي.

كان عدد سكان مدينة أنطاكية عام 1932م نحو 29.770 نسمة، ثم ارتفع عام 1960م إلى 49.674 نسمة، وفي عام 2000م بلغ عدد السكان 160.000 نسمة، معظمهم من الأتراك الذين تدفقوا عليها (قرابة 60%) والعرب (قرابة 37%)، وفيها أقليات من الأكراد والشركس والأرمن. ويلاحظ من هذا أن مدينة أنطاكية تضخمت تضخماً لافتاً للنظر، إذ قاربت الزيادة في عدد سكانها (25-50%) في السنوات المذكورة، علماً أن تقديرات سكانها في العهد الروماني تذكر رقماً يصل إلى 500.000 نسمة.
يعمل السكان في الزراعة، إذ اشتهرت المدينة مع ظهيرها الجغرافي بزراعة الأشجار المثمرة مثل المشمش والكرمة والزيتون والحمضيات، بالإضافة إلى القطن والتبغ. كما يعمل بعضهم الآخر في صناعة الأثاث الخشبي، والصياغة والزيتون والصابون والدباغة والنسيج والأحذية، ويعمل آخرون في الخدمات ووظائف الدولة في المديريات والمؤسسات العامة.

-----------------

Arab Encyclopedia